محمد بن جرير الطبري

28

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال : أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك مليء غيظا ، فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا ، فلما رآها جرجيس تصنف له ، أوجس في نفسه خيفة وجزعا ، ثم اقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته ، وهم يسمعون فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ، ووضعوا عليه سيفا على مفرق رأسه ، فوشروه حتى سقط بين رجليه ، وصار جزلتين ، ثم عمدوا إلى جزلتيه ، فقطعوهما قطعا وله سبعه أسد ضاريه في جب ، وكانت صنفا من أصناف عذابه ، ثم رموا بجسده إليها ، فلما هوى نحوها امر الله الأسد فخضعت برءوسها وأعناقها ، وقامت على براثنها ، لا تالو ان تقيه الأذى ، فظل يومه ذلك ميتا ، فكانت أول ميته ذاقها فلما ادركه الليل جمع الله له جسده الذي قطعوه بعضه على بعض ، حتى سواه ثم رد فيه روحه وارسل ملكا فأخرجه من قعر الجب ، وأطعمه وسقاه ، وبشره وعزاه . فلما أصبحوا قال له الملك : يا جرجيس ، قال : لبيك ! قال : اعلم أن القدرة التي خلق آدم بها من تراب هي التي أخرجتك من قعر الجب ، فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده ، ومت موت الصابرين . فلم يشعر الآخرون الا وقد اقبل جرجيس ، وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا - زعموا بموت جرجيس - فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا ، قالوا : ما أشبه هذا بجرجيس ! قالوا : كأنه هو ؟ قال الملك : ما بجرجيس من خفاء ، انه لهو ! ا لا ترون إلى سكون ريحه ، وقله هيبته قال جرجيس : بلى ، انا هو حقا ! بئس القوم أنتم ! قتلتم ومثلتم ، فكان الله - وحق له - خيرا وارحم منكم . احيانى ورد على روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم . فلما قال لهم ذلك ، اقبل بعضهم على بعض ، فقالوا : ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحرة ، فلما جاء السحرة ، قال الملك لكبيرهم : اعرض على من كبير سحرك ما تسرى به عنى ، قال له : ادع لي بثور من البقر ، فلما اتى به نفث في احدى أذنيه فانشقت باثنتين ، ثم نفث في الأخرى ، فإذا هو ثوران ، ثم امر ببذر فحرث وبذر ، ونبت